الخطيب الشربيني

462

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

التمر والزبد الزقوم ، ثم أدخلهم أبو جهل بيته وقال لجاريته : زقمينا فأتته بزبد وتمر وقال : تزقموا فهذا ما يوعدكم به محمد ، وهذا عناد منه وكذب فإنه من العرب العرباء وهم إنما يطلقونه على شجرة مسمومة يخرج لها لبن متى مس جسم أحد تورم فمات ، والتزقم البلع الشديد للأشياء الكريهة وأما الزبد بالرطب فيسمى : ألوقة قاله ابن الكلبي وأنشد « 1 » : وإني لمن سالمتهم لألوقه * وإني لمن عاديتهم سم أسود ثم إن الله تعالى وصف هذه الشجرة بصفتين : الأولى : قوله تعالى : إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ قال الحسن : أصلها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها . الصفة الثانية قوله تعالى : طَلْعُها أي : ثمرها قال الزمخشري : الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية قال ابن قتيبة : سمي طلعا لطلوعه كل سنة فكذلك قيل : طلع النخل لأول ما يخرج من ثمره ثم وصف ذلك الطلع بقوله تعالى : كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ وفيه وجهان : أحدهما : أنه حقيقة وأن رؤوس الشياطين شجرة معينة بناحية اليمن وتسمى : الأستن قال النابغة « 2 » : تحيد عن أستن سود أسافله * مثل الإماء الغوادي تحمل الحزما وهو شجر منكر الصورة مر ، تسميه العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلا يشبه به ، وقيل : الشياطين صنف من الحيات لهن أعراف قال الراجز « 3 » : عنجرد تحلف حين أحلف * كمثل شيطان الحماط أعرف وقيل : شجرة يقال لها : الصوم ومنه قول ساعدة بن جؤية « 4 » : موكل بسروف الصوم يرقبها * من المعارف محفوظ الحشا ورم فعلى هذا خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقة . والثاني : أنه من باب النخيل والتمثيل ، وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يكن يراه ، والشياطين وإن كانوا موجودين غير مرئيين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات التخيلية وذلك كقول امرئ القيس « 5 » :

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لرجل من بني عذرة في لسان العرب ( ألق ) ، ( لوق ) ، وتاج العروس ( ألق ) ، ( لوق ) ، وبلا نسبة في أساس البلاغة ( ألق ) ، وكتاب العين 5 / 214 ، وتهذيب اللغة 9 / 309 . ( 2 ) البيت من البسيط ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص 65 ، ولسان العرب ( ستن ) ، ( دلا ) ، ومقاييس اللغة 3 / 133 ، ومجمل اللغة 3 / 118 ، وتاج العروس ( ستن ) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 399 . ( 3 ) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ( عنجرد ) ، ( حمط ) ، ( شطن ) ، ( حيا ) ، وتهذيب اللغة 3 / 370 ، 4 / 402 ، 11 / 313 ، وتاج العروس ( عجرد ) ، ( عنجرد ) ، ( عرف ) ، ( شطن ) ، ( حيي ) ، وديوان الأدب 2 / 60 ، 95 . ( 4 ) يروى البيت بلفظ : موكّل بشدوف الصوم يبصرها * من المغارب مخطوف الحشا زرم والبيت من البسيط ، وهو لساعدة بن جؤية الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص 1125 ، ولسان العرب ( غرب ) ، ( شدف ) ، ( زرم ) ، ( صوم ) ؛ وتهذيب اللغة 8 / 118 . ( 5 ) البيت من الطويل ، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص 33 ، ولسان العرب ( غول ) ، ( شطن ) ، وتهذيب اللغة 8 / 193 ، وجمهرة اللغة ص 961 ، وتاج العروس ( زرق ) ، وبلا نسبة في المخصص 8 / 111 .